هل يعود تنظيم داعش إلى الواجهة؟ سوريا والعراق أمام اختبار أمني جدي
رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في سوريا والعراق، وفقدانه المناطق التي سيطر عليها خلال سنوات تمدده، لا تزال احتمالات عودته تثير مخاوف أمنية وسياسية في المنطقة. فالتجربة التي عاشها البلدان منذ عام 2014 أظهرت أن القضاء على سيطرة التنظيم المكانية لا يعني بالضرورة إنهاء وجوده بصورة نهائية، ولا يمنع بقاياه من إعادة تنظيم صفوفها عندما تتوافر الظروف المناسبة.
وخلال السنوات الماضية، تعرض التنظيم لضربات عسكرية متتالية أدت إلى تفكيك جزء كبير من بنيته القيادية والعسكرية، وانتهت بخسارته آخر معاقله الإقليمية في سوريا عام 2019. كما تراجعت قدرته على تنفيذ هجمات واسعة مقارنة بالفترة التي كان يسيطر فيها على مدن ومناطق شاسعة في البلدين. ومع ذلك، بقيت مجموعات محدودة تنشط في بعض المناطق، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة، والثغرات الأمنية، وصعوبة ضبط المساحات الصحراوية الواسعة.
وتبرز أهمية هذه المعطيات في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما ما يتعلق بالوجود العسكري الأميركي، ومستقبل التعاون الأمني بين واشنطن وبغداد ودمشق، والتنافس الإقليمي على النفوذ. فاستمرار تراجع التنظيم يعتمد على قدرة الدول المعنية على الحفاظ على التنسيق الأمني، ومنع ظهور فراغات تستغلها الجماعات المتطرفة. ومن هنا، لا يتعلق التحدي الراهن بملاحقة الخلايا المتبقية فحسب، بل بمعالجة الظروف التي قد تسمح لها باستعادة قدرتها على الحركة والتجنيد وتنفيذ الهجمات.
سوريا والعراق بعد سنوات من الحرب على التنظيم
شكّلت سوريا والعراق الساحة الرئيسية لصعود تنظيم داعش، بعدما استغل الاضطرابات السياسية والأمنية، والصراعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة في مناطق واسعة. وتمكن التنظيم خلال فترة قصيرة من السيطرة على مدن استراتيجية، وإقامة إدارة أمر واقع، وفرض سيطرته على السكان بالقوة، قبل أن تتشكل حملات عسكرية واسعة أدت إلى خسارة الأراضي التي استولى عليها.
وفي العراق، مثّلت معركة الموصل عام 2017 محطة مفصلية في تفكيك سيطرة التنظيم، بعدما كانت المدينة أحد أبرز مراكزه الحضرية. أما في سوريا، فقد انتهت معركة الباغوز عام 2019 بخسارة آخر منطقة جغرافية كان التنظيم يسيطر عليها بصورة علنية. لكن انتهاء هذه المرحلة لم ينهِ نشاط الخلايا التي انتقلت إلى أساليب أكثر اعتماداً على السرية، والهجمات المحدودة، واستهداف القوات الأمنية في ظروف يصعب فيها التمييز بين مناطق الاستقرار النسبي ومناطق الخطر.
ولا تزال طبيعة التحديات مختلفة بين البلدين. ففي العراق، تملك المؤسسات الأمنية خبرة طويلة في مواجهة التنظيم، فيما تفرض المناطق الصحراوية والحدودية تحديات مستمرة تتطلب مراقبة وتنسيقاً دائمين. وفي سوريا، تتداخل التحديات الأمنية مع تعقيدات المشهد السياسي والعسكري، وتعدد القوى الموجودة على الأرض، واتساع بعض المناطق التي يصعب تأمينها بصورة مستمرة.
وتعني هذه الفوارق أن مواجهة التنظيم لا يمكن أن تعتمد على نموذج واحد في البلدين. فنجاح العمليات العسكرية يحتاج إلى مؤسسات أمنية قادرة على تبادل المعلومات، وإلى إدارة محلية فعالة، وإلى جهود تمنع عودة الظروف التي استغلها التنظيم سابقاً. كما أن استمرار الاستقرار يرتبط بقدرة السلطات على حماية السكان، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتجنب السياسات التي قد تدفع بعض المجتمعات إلى الشعور بالتهميش أو انعدام الحماية.
الوجود الأميركي والتحالف الدولي في مرحلة جديدة
يمثل مستقبل الدور الأميركي في سوريا والعراق أحد العوامل المؤثرة في تقييم احتمالات عودة تنظيم داعش. فقد أدت الولايات المتحدة والتحالف الدولي دوراً أساسياً في العمليات العسكرية التي استهدفت التنظيم، من خلال الدعم الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب، وتقديم المساندة للقوات المحلية. ومع تغير شكل الوجود العسكري الأميركي، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الشركاء المحليين على مواصلة الضغط الأمني بالفاعلية نفسها.
غير أن تقليص القوات الأجنبية أو انسحابها لا يؤدي بالضرورة إلى عودة التنظيم بصورة تلقائية. فالعامل الحاسم يتمثل في قدرة القوات الوطنية على سد الفجوات الأمنية، ومواصلة ملاحقة الخلايا، وحماية المنشآت الحيوية، ومنع التنظيم من استعادة حرية الحركة. كما أن استمرار التعاون الدولي، حتى في غياب انتشار عسكري واسع، يمكن أن يسهم في توفير التدريب والمعلومات والدعم الفني اللازم لمواجهة التهديدات.
وفي هذا السياق، تظل أهمية التحالف الدولي مرتبطة بقدرته على التكيف مع المرحلة الجديدة، وتطوير آليات التنسيق مع الحكومتين السورية والعراقية، وفق الأطر المعتمدة بين الأطراف المعنية. فالتنظيم الذي فقد قدرته على السيطرة العلنية على المدن قد يحاول استغلال أي تراجع في التعاون الأمني، أو تأخر في تبادل المعلومات، أو انشغال القوات المحلية بأزمات أخرى.
كذلك، لا تقتصر مواجهة التنظيم على الجانب العسكري، إذ تتطلب متابعة مصادر تمويله، ومكافحة شبكات التجنيد، ومنع انتقال عناصره عبر الحدود، وملاحقة الدعاية المتطرفة التي تسعى إلى استقطاب أفراد جدد. وتزداد أهمية هذه الإجراءات عندما تتراجع الهجمات المباشرة، لأن انخفاض النشاط لا يعني بالضرورة اختفاء القدرات التنظيمية، بل قد يعكس انتقال الجماعة إلى مرحلة أكثر هدوءاً في انتظار فرص جديدة.
لماذا لا يمكن استبعاد عودة داعش؟
تكمن خطورة تنظيم داعش في قدرته التاريخية على إعادة تشكيل نفسه بعد تعرضه لضربات قاسية. فقد سبق أن نشأ التنظيم من بيئة الجماعات المسلحة التي ظهرت في العراق بعد عام 2003، ومر بمراحل من التراجع وإعادة التنظيم، قبل أن يستفيد من انهيار الأوضاع الأمنية واتساع الصراع في سوريا ليحقق تمدداً سريعاً.
ولا يعني ذلك أن تكرار تجربته السابقة أمر حتمي، أو أن الظروف الحالية مطابقة لما كانت عليه قبل اثني عشر عاماً. فالتنظيم خسر الأراضي والموارد والقدرة على إدارة المدن التي كانت تمنحه نفوذاً واسعاً، كما أن القوات التي واجهته اكتسبت خبرة كبيرة في رصد تحركاته وإحباط هجماته. لكن الدرس الأهم من تجربته يتمثل في أن الجماعات المسلحة قد تستعيد جزءاً من نشاطها إذا اجتمعت عدة عوامل، حتى عندما تبدو في أضعف مراحلها.
ومن بين هذه العوامل، تراجع فعالية المؤسسات الأمنية، واندلاع صراعات داخلية واسعة، ووجود مناطق خارجة عن السيطرة الفعلية للدولة، إلى جانب استغلال المظالم الاجتماعية والسياسية في عمليات التجنيد. وقد يحاول التنظيم تقديم نفسه لبعض الفئات باعتباره قوة قادرة على استغلال الغضب أو الشعور بالظلم، رغم أن ممارساته العنيفة تسببت في معاناة واسعة للسكان الذين خضعوا لسيطرته.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين وجود بيئة من التوتر السياسي والاجتماعي وبين وجود تأييد فعلي للتنظيم. فالمجتمعات التي عانت من حكم داعش لا يمكن اختزال مواقفها في التطرف، كما أن رفض بعض السياسات الحكومية لا يعني تأييد العنف. لكن تجاهل المظالم الحقيقية أو التعامل معها بأساليب تزيد الاحتقان قد يمنح الجماعات المتطرفة فرصة لاستغلال الأوضاع، وهو ما يجعل العدالة وسيادة القانون وتحسين الخدمات عناصر مهمة في الوقاية من عودة التنظيم.
التوسع الإيراني واحتمالات التصعيد الإقليمي
يرتبط أحد السيناريوهات التي تثير القلق بشأن مستقبل داعش باحتمال حدوث تغيرات كبيرة في ميزان القوى الإقليمي، ولا سيما إذا تزامنت زيادة النفوذ الإيراني في بعض الساحات مع تراجع الدور الأميركي أو ضعف البدائل الأمنية المحلية. ووفق هذه القراءة، فإن اتساع الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية قد يخلق بيئة مضطربة يمكن للتنظيم محاولة استغلالها.
ويستند هذا الاحتمال إلى أن بعض العوامل التي رافقت صعود التنظيم سابقاً ارتبطت بالتوترات الطائفية والسياسية، وبشعور قطاعات من السكان السنة في العراق بالتهميش أو الخوف من هيمنة قوى مسلحة مرتبطة بإيران. وقد استثمر التنظيم تلك المخاوف في دعايته لتبرير العنف وتوسيع التجنيد، مستفيداً من الصراعات التي أضعفت مؤسسات الدولة وعمقت الانقسامات المجتمعية.
لكن من الضروري التعامل مع هذا السيناريو باعتباره احتمالاً سياسياً وأمنياً، وليس نتيجة مؤكدة لأي تحول إقليمي. فالتوتر مع إيران لا يؤدي وحده إلى تنشيط داعش، كما أن وجود نفوذ إيراني في منطقة معينة لا يعني بالضرورة أن التنظيم سيتمكن من العودة إليها. إذ تتوقف النتائج على طبيعة الصراع، وقدرة الحكومات على الحفاظ على الأمن، ومدى تماسك المؤسسات العسكرية، ومستوى التعاون بين الأطراف المعنية.
وفي حال تصاعدت المواجهات الإقليمية واتسعت رقعتها، فقد تواجه القوات الأمنية ضغوطاً إضافية، نتيجة تحويل الموارد إلى جبهات أخرى أو تراجع الاهتمام بملاحقة الخلايا المتبقية. وقد يحاول التنظيم استغلال هذه الظروف لتنفيذ هجمات محدودة، أو إعادة بناء شبكات الاتصال والتجنيد، أو إثبات استمرار وجوده إعلامياً. لذلك، فإن منع عودته يتطلب الفصل قدر الإمكان بين الخلافات الإقليمية والجهود الضرورية لمكافحة الإرهاب، مع تجنب السياسات التي تزيد الانقسامات داخل المجتمعات المحلية.
العوامل الداخلية أكثر حسماً من الشعارات السياسية
على الرغم من أهمية التنافس الإقليمي والدور الأميركي، فإن مستقبل تنظيم داعش يتأثر بدرجة كبيرة بالأوضاع الداخلية في سوريا والعراق. فوجود مؤسسات أمنية فعالة، وقدرة السلطات على بسط القانون، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، كلها عوامل تحد من قدرة التنظيم على استغلال الأزمات. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي استمرار النزاعات المحلية وضعف الخدمات وغياب الثقة بين السكان والسلطات إلى تعقيد الجهود الأمنية.
وتزداد أهمية هذه المسألة في المناطق التي عانت من سنوات طويلة من الحرب والنزوح والدمار. فإعادة الاستقرار لا تتحقق بمجرد انتشار القوات الأمنية، بل تحتاج إلى توفير الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ومعالجة آثار النزوح، وضمان عدم تعرض السكان للتمييز أو العقاب الجماعي. كما أن التعامل القانوني مع المشتبه في ارتباطهم بالتنظيم، مع احترام الحقوق والإجراءات القضائية، يساعد على تقليل احتمالات تحول الملفات الأمنية إلى مصادر توتر جديدة.
وفي العراق، تظل إدارة العلاقة بين مكونات المجتمع، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ومنع انتشار السلاح خارج إطار الدولة، مسائل مؤثرة في الاستقرار طويل الأمد. أما في سوريا، فإن توحيد الجهود الأمنية، وتطوير التنسيق بين الجهات المعنية، وضبط المناطق التي قد تستغلها الخلايا المسلحة، تمثل تحديات أساسية في مواجهة التنظيم.
ولا تعني هذه المقاربة التقليل من أهمية العمليات العسكرية، بل توسيع مفهوم المواجهة ليشمل الظروف التي تسمح للتنظيم بالاستمرار. فالقوة العسكرية تستطيع تفكيك الخلايا وإحباط الهجمات، لكنها تحتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية مستقرة حتى لا تتحول الانتصارات الميدانية إلى نتائج مؤقتة. وكلما تراجعت المظالم واتسعت فرص الحياة الطبيعية أمام السكان، تقلصت قدرة الجماعات المتطرفة على تقديم نفسها بوصفها بديلاً، مهما حاولت استغلال الأزمات.
ما السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة؟
تتراوح السيناريوهات المتعلقة بمستقبل داعش بين استمرار تراجعه، وبقاء خلاياه في نطاق محدود، واحتمال استعادة جزء من نشاطه إذا شهدت المنطقة اضطرابات أمنية واسعة. ويبدو السيناريو الأول أكثر قابلية للاستمرار عندما تحافظ القوات المحلية على جاهزيتها، وتستمر عمليات الرصد والملاحقة، ويبقى التعاون الدولي قائماً بالقدر الكافي لمنع التنظيم من استعادة قدراته.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التنظيم كشبكة مسلحة محدودة، تعتمد على خلايا صغيرة وهجمات متفرقة، من دون أن تتمكن من استعادة السيطرة على المدن أو الأراضي التي خسرتها. وقد يستمر هذا النمط فترة طويلة إذا بقيت الظروف الأمنية غير مستقرة في بعض المناطق، لكنه لا يعني بالضرورة أن التنظيم يمتلك القدرة على العودة إلى مرحلة التمدد الواسع.
في المقابل، يرتبط السيناريو الأكثر خطورة بحدوث تراجع متزامن في قدرات القوات الأمنية، واتساع الصراعات الداخلية، وظهور فراغات في المناطق الحدودية أو الصحراوية، بالتزامن مع تراجع التنسيق الدولي. وفي مثل هذه الظروف، قد يحاول التنظيم زيادة هجماته، وإعادة تنشيط شبكاته، واستغلال الانقسامات السياسية والاجتماعية لتعزيز حضوره.
وتتطلب مراقبة هذه السيناريوهات الانتباه إلى مؤشرات متعددة، منها تغير وتيرة الهجمات، وظهور دلائل على إعادة بناء القيادة والاتصالات، وتزايد محاولات التجنيد والتمويل، واتساع قدرة الخلايا على التحرك بين المناطق. ولا يكفي الاعتماد على عدد الهجمات وحده للحكم على قوة التنظيم، لأن بعض مراحل التراجع قد تترافق مع محاولات لإعادة ترتيب الصفوف بعيداً عن الأنظار.
منع العودة يبدأ قبل ظهور الخطر
تكشف تجربة تنظيم داعش في سوريا والعراق أن هزيمته عسكرياً كانت إنجازاً كبيراً، لكنها لم تجعل خطر عودته مستحيلاً. فالتنظيم فقد معظم قدراته التي مكنته من السيطرة على مساحات واسعة، بينما أصبحت القوات المحلية أكثر خبرة في مواجهته، لكن استمرار التهديد المحدود يفرض عدم الاستهانة بالخلايا المتبقية أو بالظروف التي يمكن أن تستغلها مستقبلاً.
وفي ظل التحولات الإقليمية واحتمالات تغير الوجود الأميركي، ستتوقف قدرة سوريا والعراق على احتواء التنظيم على مدى تماسك المؤسسات الأمنية، واستمرار التعاون في مكافحة الإرهاب، ومنع نشوء فراغات يمكن أن تتحول إلى ملاذات للخلايا المسلحة. كما ستظل معالجة المظالم الاجتماعية والسياسية، وتحسين الخدمات، وتعزيز سيادة القانون، عناصر أساسية في حماية المجتمعات من محاولات التجنيد والتطرف.
أما التوترات المرتبطة بإيران أو الولايات المتحدة أو غيرهما من القوى الإقليمية، فقد تؤثر في البيئة الأمنية، لكنها لا تحدد وحدها مصير التنظيم. فعودة داعش ليست نتيجة حتمية للتصعيد الإقليمي، بل احتمال يتوقف على تفاعل مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والاجتماعية. ومن ثم، فإن أفضل وسيلة لمنع تكرار تجربة الماضي تتمثل في الحفاظ على الضغط الأمني، وتجنب الفراغات السياسية، وبناء استقرار يستطيع الصمود أمام الأزمات، بدلاً من انتظار عودة الخطر حتى يصبح التعامل معه أكثر صعوبة وكلفة.

