في مملكةٍ بعيدة تحيط بها الغابات الواسعة والأنهار الصافية، عاشت أميرة لطيفة تُدعى لارا. كانت الأميرة لارا معروفة بين الناس بابتسامتها الهادئة وقلبها الطيب، وكانت تحب قضاء وقتها في الطبيعة أكثر من أي مكان آخر.
كل صباح كانت تخرج من القصر وتمشي في الحقول القريبة، تستمع إلى صوت الرياح بين الأشجار وتراقب الطيور التي تحلق في السماء. كانت تشعر دائماً أن الطبيعة تخفي الكثير من الأسرار الجميلة.
وفي أحد الأيام، بينما كانت الأميرة تتمشى في أطراف الغابة، رأت شيئاً غريباً بين الأغصان. كان هناك ضوء ذهبي صغير يتحرك بسرعة بين الأشجار.
توقفت الأميرة ونظرت بدهشة.
قالت بصوتٍ خافت:
“ما هذا الضوء؟”
اقتربت ببطء حتى وصلت إلى شجرة كبيرة، وفجأة خرج من بين أوراقها طائر جميل لم ترَ مثله من قبل.
كان الطائر يلمع بلونٍ ذهبي ناعم، وريشه يضيء وكأنه مصنوع من خيوط الضوء. وعندما رفرف بجناحيه، ترك خلفه خيطاً من اللمعان يشبه النجوم الصغيرة.
همست الأميرة بدهشة:
“يا له من طائر عجيب.”
لكن الطائر لم يهرب. بل وقف على غصن قريب منها، ونظر إليها بعينين لامعتين.
وبصوتٍ ناعم قال:
“مرحباً يا أميرة لارا.”
اتسعت عينا الأميرة من الدهشة وقالت:
“هل… هل أنت تتكلم؟”
ضحك الطائر بلطف وقال:
“أنا لست طائراً عادياً. أنا طائر النور.”
جلست الأميرة على صخرة قريبة وقالت:
“لم أسمع عنك من قبل.”
أجاب الطائر:
“لأنني لا أظهر إلا نادراً. أنا أحلق بين الغابات والممالك لأحافظ على الضوء في الأماكن التي يختفي فيها الأمل.”
فكرت الأميرة قليلاً، ثم قالت:
“وما الذي جاء بك إلى هذه الغابة؟”
أجاب الطائر بصوتٍ حزين قليلاً:
“هناك جزء من الغابة بدأ يذبل. الأشجار هناك تفقد أوراقها، والزهور لم تعد تتفتح كما كانت.”
شعرت الأميرة بالقلق وقالت:
“لكن هذه الغابة كانت دائماً مليئة بالحياة.”
قال الطائر:
“هذا صحيح… لكن شيئاً ما أضعف نور الطبيعة هناك.”
نهضت الأميرة وقالت بحزم:
“إذن دعنا نذهب ونرى ما يحدث.”
قاد الطائر الأميرة عبر ممرات ضيقة بين الأشجار حتى وصلوا إلى منطقة بعيدة في الغابة.
كانت الأرض هناك جافة قليلاً، والأشجار تبدو متعبة، وكأنها لم تشرب الماء منذ زمن.
نظرت الأميرة حولها ثم لاحظت شيئاً مهماً.
قالت:
“النهر الصغير الذي كان يمر من هنا… لقد تغير مساره.”
كان النهر قد انسد بسبب الصخور والأغصان التي تراكمت فيه بعد عاصفة قوية.
قالت الأميرة:
“لهذا السبب لم يصل الماء إلى الأشجار.”
بدأت الأميرة تعمل مع بعض سكان القرى القريبة الذين جاءوا لمساعدتها. عملوا معاً لساعات طويلة لإزالة الصخور وتنظيف مجرى النهر.
وبعد وقتٍ طويل عاد الماء يتدفق من جديد.
بدأت الأرض تشرب الماء، وعادت الأوراق الخضراء تظهر على الأشجار ببطء.
ابتسم طائر النور وهو يرى الحياة تعود إلى الغابة.
قال للأميرة:
“لقد ساعدتِ الطبيعة على استعادة قوتها.”
ابتسمت الأميرة لارا وقالت:
“كل ما فعلته هو أنني استمعت إلى الغابة.”
رفع الطائر جناحيه في الهواء، فانتشر ضوء ذهبي جميل بين الأشجار.
قال:
“سأعود إلى السماء الآن، لكنني سأزور هذه الغابة من حينٍ لآخر.”
وقبل أن يطير، سقطت من جناحه ريشة ذهبية صغيرة.
التقطتها الأميرة ونظرت إليها بإعجاب.
قال الطائر:
“احتفظي بها… فهي تذكير بأن النور يمكن أن يعود دائماً عندما نجد من يهتم به.”
ثم ارتفع الطائر في السماء واختفى بين الغيوم.
عادت الأميرة لارا إلى القصر، لكنها لم تنسَ تلك المغامرة أبداً.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت تهتم بالغابات والأنهار أكثر من أي وقتٍ مضى، لأنّها تعلمت أن الطبيعة تحتاج أحياناً إلى من يسمع صوتها.
